الخطيب الشربيني
257
مغني المحتاج
الرهن ، فإذا قال : لم يكن إقراري عن حقيقة فله تحليف المقر له أنه قبض الموهوب وإن لم يذكر لاقراره تأويلا . ( ولو قال هذه الدار ) مثلا التي في يدي ( لزيد ) لا ( بل لعمرو ، أو غصبتها من زيد ) لا ( بل ) غصبتها ( من عمرو ) نزعت من يده و ( سلمت لزيد ) لأن من أقر بحق لآدمي لا يقبل رجوعه عنه . ( والأظهر أن المقر ) بعد تسليمها لزيد ( يغرم قيمتها لعمر بالاقرار ) لأنه حال بينه وبين ملكه بإقراره الأول ، والحيلولة سبب الضمان ، كما لو غصب عبدا فأبق من يده . والثاني : لا يغرم له ، لأن الاقرار الثاني صادف ملك الغير فلا يلزمه به شئ كما لو أقر بالدار التي بيد زيد لعمرو ، ولو قال : غصبتها من زيد وغصبها زيد من عمرو سلمها لزيد لسبق إقراره وغرم لعمرو القيمة لأنه وصل إقراره الثاني بالأول ، أولا تسلمها زيد بنفسه أو سلمها له الحاكم للحيلولة بإقراره الأول ، والحيلولة توجب الضمان كالاتلاف . ولو عطف ب ثم ففي الوسيط أنه يغرم أيضا . ولو قال : غصبتها من زيد وعمرو سلمت إليهما ، أو : غصبتها من زيد وغصبتها من عمرو ، فالحكم كذلك أحد وجهين رجحه السبكي . ولو قال : غصبتها من زيد والملك فيها لعمرو سلمت لزيد لأنه اعترف له بالملك ، ولا يغرم لعمرو لجواز كونها ملك عمرو وهي في يد زيد بإجارة أو وصية بمنافعها أو نحو ذلك كرهن . ثم شرع في القسم الثالث ، وهو بيان الاستثناء ، وهو إخراج ما لولاه لدخل فيما قبله ب إلا أو نحوها ، وهو من الاثبات نفي ومن النفي إثبات ، فقال : ( ويصح الاستثناء ) في الاقرار وغيره لكثرة وروده في القرآن وغيره ، وهو مأخوذ من الثني بفتح الثاء المثلثة وسكون النون وهو الرجوع ، ومنه ثنى عنان دابته : إذا رجع ، فلما رجع في الاقرار ونحوه عما اقتضاه لفظة سمي استثناء . واصطلاحا : إخراج لما بعد إلا وأخواتها من حكم ما قبلها في الايجاب وإدخاله في النفي . هذا ( إن اتصل ) بالمستثنى منه بحيث يعد معه كلاما واحدا عرفا فلا يضر الفصل اليسير بسكتة تنفس أو وعي أو تذكر أو انقطاع صوت كما نص عليه في الام ، بخلاف الفصل بسكوت طويل وكلام أجنبي ولو يسيرا . وفي الكافي : لو قال : له علي ألف درهم - الحمد لله - إلا مائة لزمه الألف ، ولو قال : ألف درهم أستغفر الله إلا مائة صح الاستثناء ، وهذا هو المعتمد خلافا لابن المقري لأن قوله أستغفر الله لاستدراك ما سبق منه . ولا بد أن ينوي الاستثناء قبل فراغ الاقرار كما مرت الإشارة إليه . ( ولم يستغرق ) أي الاستثناء المستثنى منه ، كقوله : له علي خمسة إلا أربعة ، فإن استغرقه كقوله : له علي خمسة إلا خمسة فباطل لأنه رفع ما أثبته . ولا يجمع مفرق بالعطف في المستثنى أو المستثنى منه أو فيهما إن حصل بجمعه استغراق أو عدمه ، لأن واو العطف وإن اقتضت الجمع لا تخرج الكلام عن كونه ذا جملتين من جهة اللفظ الذي يدور عليه الاستثناء ، وهذا مخصص لقولهم : إن الاستثناء يرجع إلى جميع المعطوفات لا إلى الأخير فقط ، فلو قال : له علي درهمان ودرهم أو درهم ودرهم ودرهم إلا درهما لزمه ثلاثة لأن المستثنى منه إذا لم يجمع مفرقه كان الدرهم الواحد مستثنى من درهم واحد فيستغرق فيلغو . ولو قال : له علي درهم ودرهم ودرهم إلا درهما ودرهما ودرهما لزمه ثلاثة ، لأنه إذا لم يجمع مفرق المستثنى والمستثنى منه كان المستثنى درهما من درهم فيلغو ، وقس على ذلك . ( فلو قال : له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية لزمه تسعة ) لأن الاستثناء من الاثبات نفي وعكسه كما مر . والطريق فيه وفي نظائره أن يجمع كل ما هو إثبات وكل ما هو نفي ويسقط المنفي من المثبت فيكون الباقي هو الواجب ، فالعشرة والثمانية في هذا المثال مثبتان وهما ثمانية عشرة ، والتسعة منفية ، فإذا أسقطتها من الثمانية عشر يبقى تسعة ، فإن قال مع ذلك : إلا سبعة وهكذا إلى الواحد لزمه خمسة لأن العدد المثبت ثلاثون والمنفي خمسة وعشرون ، فإذا أسقطتها بقي خمسة . ولك طريق آخر ، وهي أن تخرج المستثنى الأخير مما قبله وما بقي منه يخرج مما قبله ، فتخرج الواحد من الاثنين وما بقي تخرجه من الثلاثة وما بقي تخرجه من الأربعة وهكذا حتى ينتهي إلى الأول ، ولك أن تخرج الواحد من الثلاثة ثم ما بقي من الخمسة ثم ما بقي من السبعة ثم ما بقي من التسعة ، وهذا أسهل من الأول ومحصل له ، فما بقي